تتجه الأنظار مجددًا نحو الاستحقاق البلدي الذي يلوح في الأفق، وسط مؤشرات واضحة على المضي قدمًا في تنظيم الانتخابات رغم ضيق الوقت، وغياب التمويل الكافي، والتعقيدات اللوجستية في العديد من المناطق المتضررة. لكن، ورغم هذه التحديات، فإن إجراء الانتخابات بحد ذاته يظل بارقة أمل لإعادة تنشيط الحياة العامة المحلية في ظل الانهيار الشامل الذي يعانيه البلد. غير أن هذا الأمل يصطدم بغياب أي مسار إصلاحي مواكب :لا تعديل للقوانين، ولا تطوير لنُظم الرقابة، ولا شروط جديدة للشفافية أو لنزاهة. كل شيء يوحي بأن الانتخابات، إن حصلت، ستتم ضمن نفس الإطار التقليدي الذي أفرز بلديات عاجزة أو مأسورة بالمناكفات والشلل السياسي.
في هذا السياق، أكتب كمواطنٍ ومتابعٍ للشأن العام، مدفوعًا بالمسؤولية تجاه تفعيل الحسّ المدني والوطني في كافة المدن والقرى اللبنانية، ومنها طرابلس، التي تستحق إدارة محلية تليق بمواطنيها وتحدياتها. ما أطمح إليه هو دعم المبادرات المدنية العلنية ومواجهة تلك الغير علنية والمُستغلّة سياسياً، وتوجيه دعوة واضحة إلى المواطنين/ات، والناشطين/ات، والفاعليات المدنية، كي يكون اختيارهم قائمًا على معايير واضحة، شفافة وموضوعية، لا على الولاءات والانتماءات (على اختلافها).
ما الذي يجب أن نبحث عنه في المرشح البلدي اليوم؟ في زمن الأزمات، لا يكفي أن يكون المرشح "ابن عائلة معروفة" أو "صاحب خدمات" أو "المدعوم من السياسي أو الوجيه"... بل لا بد أن نسأل:
- هل هو مستقل سياسيًا؟ أم يُمثّل أجندات خارج المجلس البلدي؟
- هل يتمتع بالنزاهة، ويملك الجرأة لإعلان ذمته المالية ومنع التوظيف بالمحسوبيات؟
- هل يتمتع بكفاءة إدارية، ولديه اطلاع على قانون البلديات؟
- هل يمكنه أن يدير تغييرات هيكلية لتحسين عمل وانتاجية البلدية؟
- هل لديه خبرة في تعبئة الموارد من المجتمع أو من الجهات المانحة؟
- هل يتعهد بالشفافية والمساءلة عبر نشر القرارات والموازنات؟
- هل يحمل رؤية إصلاحية واضحة وليس مجرد وعود عامة؟
- هل يملك مهارات بناء التوافق داخل مجلس بلدي متعدد الآراء والخلفيات؟
- هل سبق أن قاد مبادرات في ظل الأزمات، وأظهر قدرة على الصمود واتخاذ القرار؟
إن أصعب ما نواجهه اليوم هو إعادة تعريف مَن نمنح الشرعية التمثيلية، ومَن نُسلّمه مقدّرات البلدية ومسؤولية إدارة الشأن والحيّز العام في مدننا وقرانا. وإذا كانت القوانين لم تتغيّر، فنحن قادرون على تغيير ثقافة الاختيار. ثقافة تنتقل من "مين بيعرف مين" إلى "مين الأفضل فعلاً".
من هنا، أدعو كل فاعل مدني، وكل مجموعة مهتمة بالشأن العام، إلى استخدام معايير موضوعية وواضحة لتتقييم المرشحين (مرفق أداة تقييم المرشحين)، وعرضها علنًا، ونشرها للرأي العام، والمشاركة بها في اللقاءات والمناظرات والمشاورات التي ستسبق تشكيل للوائح.
لا نحتاج إلى نخب جديدة بذهنيات قديمة، بل إلى وعي انتخابي جديد، يربط بين البلدي واليومي، بين الفردي والعام، بين صوت المواطن وطبيعة المدينة والقرية التي يريد أن يعيش فيها.
إن طرابلس - كما غيرها من المدن - لا تحتاج إلى رئيس بلدية "محسوب"، بل إلى رئيس بلدية "محسوب عليه" الناس.
أداة تتقييم المرشحين
بالإمكان الاستفادة من أداة تقييم المبنية على معايير واضحة وموضوعية، لمساعدة المواطنين والمبادرات المحلية في اختيار الأنسب لقيادة البلديات. تُشكّل هذه المعايير إطارًا عمليًا لمساعدة المواطنين والمبادرات المحلية في تقييم كل مرشح على حدة، من خلال منحه علامة من 1 إلى 5 وفقًا لمدى تطابقه مع كل معيار. وبناءً على مجموع النقاط، يمكن تحديد المرشحين الذين يمثلون الخيار الأنسب والأكثر أهلية لقيادة العمل البلدي بفعالية واستقلالية. يمكن لمن يريد استعمالها أو تعديلها أو البناء عليها بما يراه مناسباً.
| المعيار | أسئلة التقييم | السبب | أمثلة عملية |
|---|---|---|---|
| الاستقلالية أي التزام أو الولاء السياسي | هل لدى المرشح علاقات مع النخب السياسية السائدة أو الأحزاب الطائفية؟ هل أظهر استقلالية عملية؟ | الرعاية السياسية تقوض استقلالية البلدية وقدرتها على تقديم الخدمات. المرشحون المستقلون أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات المحلية | مرشح يرفض الترشح على لائحة حزبية ويدعم حملة مستقلة بدعم مدني. |
| النزاهة الاخلاقية | هل تورط المرشح في قضايا فساد أو تضارب مصالح أو سلوك غير أخلاقي؟ هل لديه سجل عام نقي؟ هل يحابي | الثقة والشرعية تنبعان من النزاهة الأخلاقية. القادة الأخلاقيون يضعون معيارًا للشفافية والمساءلة. | مرشح يعلن عن ذمته المالية ويمنع التعيينات العائلية. |
| المصالح التجارية وإدارة تضارب المصالح | هل يمتلك المرشح أعمالًا تجارية قد تستفيد من عقود أو متيازات بلدية؟ هل كشف عن جميع المصالح ذات الصلة؟ | يمنع استغلال المنصب العام ويعزز العدالة في التعاقدات البلدية. يقلل من مخاطر الفساد. الفصل بين المصالح الشخصية والعمل العام. | مرشح يملك شركة أو مؤسسة تزاول أي نشاط تجاري لكن يمنعها من دخول المناقصات البلدية. |
| القدرة على تعبئة الموارد | هل أظهر المرشح القدرة على جذب التمويل (مثل التجار و أصحاب رؤوس الأموال، المهاجرين، الجهات المانحة، الشراكات بين القطاعين العام والخاص)؟ هل يقترح خططًا واقعية لضمان تحصيل وزيادة الإيرادات البلدية؟ | تواجه البلديات اللبنانية نقصًا في التمويل. يجب أن يكون لدى رئيس البلدية القدرة على استقطاب موارد بديلة وجذب التمويل من الخارج أو من المجتمع. | مرشح لديه علاقات مع جهات مانحة (داخليا وخارجيا) وقادر على إدارة مشاريع بتمويل خارجي. |
| الكفاءة الإدارية والقدرة على إدخال تغييرات هيكلية وإجرائية لتعزيز كفاءة وفعالية البلدية | هل يفهم المرشح القانون 1977/118 وتعديلاته (1997/665) وهيكل الحوكمة البلدية؟ هل لديه خبرة سابقة في إدارة الأنظمة أو الخدمات العامة؟ هل يمتلك رؤية واضحة لتحسين الهيكلية والإجراءات الإدارية؟ | تتطلب الحوكمة الفعالة فهمًا تقنيًا ومعرفة تشغيلية، وفهم قانون البلديات، إدارة المؤسسات، واتخاذ قرارات فعّالة لتحسين الهياكل التنظيمية والإجراءات الإدارية داخل البلدية لتسريع الأداء وتحسين الخدمات. | مرشح ملمّ بقانون 1977/118 (وتعديلاته) ويقترح تعديلات تستند لمشاريع إصلاحية (تحسين آليات اتخاذ القرار، التحول الرقمي أو تسريع المعاملات) |
| إدارة الأزمات والقدرة على الصمود | هل تعامل المرشح مع أزمات مؤسسية أو سياسية بنجاح في الماضي؟ هل يمكنه العمل تحت الضغط والتعامل مع | البيئة والسياق الاجتماعي/ السياسي والبلدي في طرابلس ولبنان هشة، والظروف والتحديات الأمنية داهمة وتتطلب قدرة على التكيف والتعامل مع التحديات. | مرشح نظم مبادرات خلال الأزمات كالكورونا أو انفجار الأزمة الاقتصادية. |
| الشفافية وإجراءات مكافحة الفساد | هل اقترح المرشح آليات مثل البيانات المفتوحة أو الميزانية التشاركية أو التدقيق من طرف ثالث؟ | إضفاء الطابع المؤسسي على الشفافية يعزز المساءلة ويحد من الفساد، وإتاحة المعلومات والقرارات أمام المواطنين | مرشح يتعهد بنشر الموازنات والعقود وفتح جلسات المجلس للناس. |
| الثقة المجتمعية ورأس المال الاجتماعي | هل يتمتع المرشح باحترام واسع عابر للطبقات الاجتماعية والطائفية؟ هل لديه سجل في خدمة المجتمع؟ هل يُنظر إليه على أنه قريب من الناس وصاحب موقف وكلمة حق؟ | الشرعية والدعم المستمر يعتمدان على المصداقية والاحترام من جهة و القدرة على التفاعل المجتمعي من جهة أخرى. | مرشح نشط في العمل الأهلي وله قبول مجتمعي عابر للطوائف ويتمتع بالقبول والاحترام من مختلف الفئات في المدينة. |
| الرؤية والخطة وأجندة الإصلاح | هل يقدم المرشح برنامجًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ لإصلاح الخدمات البلدية وتحديث الاجراءات البلدية؟ وصاحب خطة واضحة لتحسين الخدمات والبنية التحتية. | القيادة ذات الرؤية ضرورية لمعالجة الخلل الهيكلي في الإطار البلدي الحالي في لبنان. | مرشح لديه خطة مفصلة لتطوير الخدمات والإدارة والمرافق العامة، وخطة واضحة لتحسين الخدمات والبنية التحتية. |
| القدرة على بناء التوافق بين الآراء المتعارضة وأعضاء المجلس البلدي | هل يمتلك المرشح خبرة في بناء التفاهم بين أطراف مختلفة؟ هل يستطيع قيادة مجلس بلدي متنوع الأراء دون صراع؟ | امتلاك مهارات الحوار والتفاوض والوساطة بين الأطراف المختلفة داخل المجلس البلدي لضمان اتخاذ قرارات جماعية تخدم الصالح العام. | مرشح لديه خبرة في العمل ضمن فرق متعددة الآراء، وسبق له أن نجح في تقريب وجهات النظر بين أطراف سياسية أو مجتمعية مختلفة. |