في لحظة سياسية بالغة التعقيد يعيشها لبنان، تلوح الانتخابات البلدية كاستحقاق دستوري يفترض أن يكون مناسبة لتجديد الحياة المحلية، وتعزيز اللامركزية، وبناء سلطات قريبة من الناس وأكثر قدرة على إدارة شؤونهم اليومية. غير أن الواقع يكشف أن هذا الاستحقاق يجري وسط بيئة مأزومة ومختلة تفقده معناه وجدواه، وتحوّله إلى محطة إضافية من محطات تدوير الأزمة نفسها .فبدلا من أن تكون الانتخابات منصة لإطلاق دينامية إصلاحية حقيقية، تتحول إلى مناسبة لتكريس التحديات الإدارية وتعميق الانقسام الأهلي، وسط غياب كامل للرؤية، وللبرامج الواقعية، ولوسائل الإدارة الحديثة. والأهم أنها تأتي وكأنها تمرين تعبوي واستطلاع سياسي أكثر منها استحقاق ديمقراطي فعلي يُعنى بإعادة بناء الإدارة المحلية أو تطوير التنمية.

رغم أن لبنان يضم اكثر من ١٠٣٠ بلدية، فإن الغالبية الساحقة منها هي بلديات صغيرة من حيث عدد السكان والموازنات، ما يجعلها عاجزة بنيويًا عن القيام بوظائفها الإنمائية والخدماتية الأساسية. بدلا من أن ينكب السياسيون على مناقشة كيفية إصلاح هذا الواقع، بقيت أولويات النقاش في البرلمان مؤخرًا غارقة في قضايا شعبوية سطحية، بعيدًا عن جوهر المشكلات البلدي، مما يجعل أي حديث عن تغيير فعلي عبر الانتخابات وحدها أمرًا موهومًا ما لم يُرفق بإصلاحات شاملة في القوانين والهياكل الإدارية والمالية.

فمشروع قانون اللامركزية الإدارية، الذي أعده الوزير السابق زياد بارود عام 2016، لا يزال قابعاً في الأدراج، رغم الحاجة الملحّة إليه لإعادة تنظيم الصلاحيات وتعزيز استقلالية البلديات. مما يكرّس العمل بالقانون البلدي البالي منذ عام 1977 الذي لا يواكب المتغيرات المجتمعية ويكرّس البنى الطائفية والزبائنية. وكذلك الحال بالنسبة للعديد من مشاريع واقتراحات القوانين التي تهدف إلى تمكين البلديات، ومنها اقتراح قانون استرداد كلفة إدارة النفايات (مرسوم 2023/12526) الذي لا يزال عالقًا في اللجان النيابية دون إقرار. أما نجاحات بعض اتحادات البلديات، التي تشكل نموذجًا ناجحًا في بعض المناطق أثبتت قدرتها على تجميع الموارد وتقديم خدمات بكفاءة تفوق قدرات البلديات الفردية، فما زالت معزولة وغير قابلة للارتقاء الى مستوى سياسات وطنية عامة. أضف الى ذلك أنّ الوضع المالي المنهار أدى الى تجفيف صناديق البلديات، مما يجعل أي مجلس بلدي عاجزًا فعليًا عن تنفيذ المشاريع الإنمائية أو حتى توفير الخدمات الأساسية، فيُبقيها رهينة لابتزاز سياسي أو مساعدات مشروطة دون قدرة على الاستقلالية أو الإنجاز.

هذه الانتخابات البلدية ليست كما يجب أن تكون - محطة لإطلاق مشاريع إنمائية واستنهاض قدرات محلية - بل أصبحت مجرد محطة إضافية في مسار السيطرة السياسية لا فرصة لإعادة بناء الإدارة المحلية. بحيث تستخدم القوى السياسية هذا الاستحقاق لجس النبض الشعبي والتحضير للاستحقاق النيابي المقبل من خلال تأكيد قدرتها على التحكم بالمفاتيح الانتخابية. فالثنائي الشيعي (حزب اللّٰه وحركة أمل) ينظر إلى الانتخابات كفرصة لتأكيد إحكام السيطرة الكاملة في مناطق نفوذه. بينما يسعى الأفرقاء السياسيون الآخرون بدورهم لإثبات مواقعهم وتعزيز أوراقهم التفاوضية قبل الانتخابات التشريعية.

الأخطر من غياب البرامج هو الانقسامات البنيوية التي تضرب معظم اللوائح قبل أن تصل حتى إلى صناديق الاقتراع من خلال الصراع الخفي او العلني على رئاسة المجالس البلدية وتقاسم النفوذ داخل المجلس، بما يجعل احتمالات الشلل والفوضى شبه مؤكدة - ولنا في التجارب القريبة عبرة! - مُرفقة بتحالفات مرتجلة، لا تحكمها قواسم برامجية مشتركة بل توازنات مصلحية هشّة قابلة للانفجار عند أول استحقاق حقيقي مع غياب الحد الأدنى من التصورات الإجرائية حول كيفية إدارة الخلافات داخليًا، أو بناء الية اتخاذ القرار بطريقة جماعية شفافة.

في طرابلس اليوم، نشهد تنافسًا محمومًا بين لوائح عدة، أغلبها قائم على اعتبارات شخصية أو تحالفات مصالحية، لا على رؤى بلدية مدروسة، بل صراع محتدم على من يتولى رئاسة المجلس البلدي. فلا حديث عن خطط لإدارة النفايات أو تطوير النقل أو تنظيم الأسواق الداخلي والبنى التحتية. بل اطلاق سرديات ممجوجة وفضفاضة عن "التغيير" و"التنمية" دون تحديد اليات تنفيذية أو مصادر تمويل أو جداول زمنية عملية، و لا تدرك حتى الان حجم التعقيدات المرتبطة بإدارة البلدية المثقلة بالمشاكل الإدارية والمالية والقانونية.

أمام هذا المشهد، يجد الناخب نفسه أمام سؤال جوهري: هل المشاركة في هكذا انتخابات تعني المساهمة في تثبيت الانهيار أم معالجته؟ وما هو البديل؟ في ظلّ غياب القوانين الإصلاحية، وانعدام رؤية التنمية المحلية، واستغلال الانتخابات إلى معركة تعبئة نيابية مبكرة؟

بكل تأكيد هناك بديل! إذ أنّ اتخاذ الموقف الواضح الذي لا لبس فيه، هو واجبٌ وطنيّ.

فما هو بديلك؟