طويت صفحة الانتخابات البلدية في لبنان لعام 2025، لكنّ تداعياتها أبعد من مجرد نتائج بلدية محلية. فقد كشفت هذه الانتخابات، على امتداد المناطق، أن النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية والزبائنية التقليدية لم يتزحزح، بل وجد فيها فرصة أخرى لإعادة ترميم نفسه، وتثبيت توازناته المتصدعة، عبر آليات اقتراع محكومة بقواعد اللعبة نفسها التي كرّست هذا النظام منذ عقود.

فقد برهنت الأحزاب اللبنانية مجددًا (كلّ في منطقة نفوذه)، بعد عقود من استحواذ بعضها على السلطة (الثنائي) وسعي البعض الأخر منذ عقد ونيّف للحصول على حصته منها، عن قدرتها على الفوز بالانتخابات المحلية، غير مكتفية بتهميش اتجاهات التغيير في المجتمع صحيح أنّ السلطة السياسية، ممثلة بالحكومة، كانت محايدة رغم الهفوات الإدارية والتنظيميةً وضعف الجهوزية، إلا أنّها تواطأت أو وقعت ضحية صراع موازين القوى بين الأحزاب السياسية التقليدية، من حيث تدري أو لا تدري، في إعادة انتاج وتكريس حضور واحكام قبضة هذه القوى على مقدرات العمل البلدية ومفاتيح الانتخابات النيابية القادمة. وخلافًا لما أشيع عن "لا سياسية" الاستحقاق البلدي وطابعه الإنمائي، سرعان ما تكشف هذا الادعاء الزائف، الذي ردّده مسؤولون كبار في الدولة، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة وعدد من النواب، أثبتت التجربة أنها كانت مسيّسة بامتياز. إذ ظهر جليًا كيف أن الاستحقاق البلدي كان مدخلاً لإعادة رسم الخرائط السياسية والتحالفات، وتوجيه رسائل ضمنية وعلنية، وصلت إلى حد تدخلات مباشرة من قبل رأس السلطة التشريعية في بعض المناطق الجنوبية، لترسيخ خيارات سياسية أراد إيصال صداها إلى من "يعنيهم الأمر". كما برهنت الأحزاب السياسية، وجميعها طائفية بامتياز وكلّ منها لديه أجندته الخاصة، عن انتهازية مفرطة ووصولية فائقة وتجاهل كامل لمصلحة الوطن واللبنانيين، رغم تناقضاتها في بعض القضايا، مثل الموقف من السلاح خارج الدولة أو العلاقة مع المصارف ومشاريع إعادة هيكلتها وإصلاح النظام المالي والنقدي والاقتصادي في لبنان وكيفية تحقيق العدالة. هذا كله يدفعنا للتفكير مليًا في مستقبل بلد يترنح على حافة الهاوية: فلا برامج إصلاح تطبّق، ولا رؤية وطنية تتبلور، ولا قوى سياسية وطنية الانتماء تظهر - ليس لأنها غير موجودة، ولكن بسبب ما تواجهه من تحديات ذاتية وموضوعية وما تتعرض له من هجوم متوقّع من الخصوم التقليديين.

لم يكن الاقتراع في معظم المناطق لحلول بلدية بقدر ما كان استفتاء على ولاءات سياسية. حتى التنافس بين اللوائح المستقلة كان في جزء كبير منه مغلّفًا برعايات سياسية مموّهة، وأحيانًا صفقات ضمنية بين قوى النظام نفسها. في المناطق المسيحية، تحوّلت الانتخابات إلى ساحة داخلية لفرز موازين القوى التقليدية. حيث تصارعت الأحزاب التقليدية، لا على البرامج الإنمائية، بل على الشرعية الطائفية والزعامة داخل البيئة نفسها. من نتائج كسروان وزحلة وجزّين وزغرتا، حيث استعادت الأحزاب والزعامات التقليدية حضورها البلدي، بدا واضحًا أن النظام السياسي يستعيد أدواته في الشارع المسيحي، وأن التحولات التي طرأت بعد انتفاضة 2019 لم تؤسس لبنية بديلة قادرة على اختراق المعادلة المحلية. وكذلك الأمر في البيئات الشيعية، فقد استُخدمت الانتخابات كآلية تثبيت للثنائية الحزبية محوّلةً إيّاها في الجنوب أو البقاع الى محطة إضافية في بناء الهيمنة الانتخابية التنظيمية للثنائي الشيعي، الذي لم يكتف بالحفاظ على البلديات، بل حرص على التأكيد أن كل صندوق اقتراع هو صندوق ولاء سياسي. التدخلات السياسية العلنية والمبطّنة، والضغط لحسم نتائج بعض البلديات بالتزكية (331 من أصل 1065 بلدية)، جعلت من العملية برمتها إعلانًا مجددًا بأن الجنوب والبقاع خاضعان لإدارة سياسية مغلقة. البيئة السنية لم تكن أكثر تحررًا إذ بات من الواضح أن تحالفات السلطة القديمة (باستثناء تيار المستقبل المُستقيل من دوره الى الآن) استعادت أنفاسها، وملأت الفراغ الذي تركته القوى التغييرية العاجزة عن بناء بدائل تنظيمية فاعلة. فقدّمت نموذجًا فجًّا من إعادة تدوير أزلام النظام السوري السابق من تكريس زعامة آل كرامي في طرابلس إلى انتصارات "الأحباش" في بيروت ومناطق أخرى. صحيح أن بيروت شهدت مقاطعة سنية واسعة عكست قطيعة مع النظام السياسي، إلا أنها كانت أكثر النماذج تناقضاً تمثّل في تحالف الخصوم محولينها (أي العاصمة) الى ميدانًا لتكريس المحاصصة السياسية والطائفية والزبائنية التقليدية التي فرضت تمثيلاً طائفياً وسياسياً بامتياز من خلال "المناصفة" (الزائفة) التي فرضت من دون اختيار على أبناء بيروت.

وبذلك، أثبتت هذه الانتخابات أن النظام الطائفي لا يملك فقط أدوات الدفاع عن نفسه، بل أيضًا القدرة على الهجوم واستباق أي محاولة غيير. أدركت المنظومة أنها مهددة، فانتفضت بلديًا، ليس لحماية المصلحة المحلية، بل لإعادة تثبيت أركان سلطتها، واستعادة الهيبة التي كادت تفقدها بعد 2019. فاستغلت هذه القوى القانون البلدي المُعتمد ولم تُقدم على محاولة إصلاحه (ولا إصلاح قانون البلديات) وسارعت الى خوض الاستحقاق في ظلّ حكومة لم يمرّ على تنصيبها أكثر من شهرين (مما لم يُتح لها اقتراح أي تعديل إصلاحي عليه) مما جعل الحكومة رافعةً لهذه وليس حاجزًا أمام استعادة تمدّدها. أما الشارع التغييري، فخرج مثقلاً بالفشل والتشظي، وبحاجة إلى مراجعة استراتيجية عميقة لا مجرد مراكمة نكسات. فالانتخابات التي كان يُفترض أن تكون ممرًا لبروز نخب محلية جديدة، تحوّلت إلى إعلان صريح عن فشل القوى التغييرية في تقديم بدائل مقنعة أو تنظيم جبهات انتخابية متماسكة. الهرولة نحو المعركة دون تحضير، والاستكانة للخطاب المدني الإنشائي، قابلها تنظيم محكم من القوى التقليدية، واعتماد على العصب الطائفي والولاء الزبائني وتخطي الخصومة في بعض لمناطق في سبيل تكريس حضورها. وهذا ما فشلت به القوى التغييرية، إذ انكسرت أمواجها أمام صخور النظام التقليدي.

لكن ما هو أخطر من النتائج هو الرسالة السياسية التي حملتها هذه الانتخابات: اللاجدوى من مواجهة النظام السياسي التقليدي الذي يمسك بزمام الأمور ويفرض إيقاعه على مجموعاته الطائفية. فيصبح من الصعب بمكان إقناع المواطنين بالمشاركة في أي انتخابات لاحقة إن كانت كل مسارات التغيير تجهض بهذا الشكل الممنهج رغم مرور ست سنوات على انتفاضة 17 تشرين 2019، والانهيار المالي والاقتصادي المتسارع، وتداعيات الحرب في غزة، وسقوط النظام السوري، وتشكيل حكومة "الإصلاح والتغيير"، فإن نسب الاقتراع في الانتخابات البلدية لعام 2025 لم تشهد تحسنًا يُذكر مقارنةً بدورة 2016 .فقد تراوحت نسب المشاركة بين 20% و35% في معظم المناطق، مع تسجيل معدلات متدنية جدًا في المدن الكبرى، مثل بيروت وطرابلس . هذا الثبات في العزوف الانتخابي يطرح تساؤلات جدية حول جدوى العملية الانتخابية في نظر المواطن اللبناني، ويعكس أزمة ثقة متجذرة في النظام السياسي القائم. ففي 2016، كان العزوف يُقرأ غالبًا كدلالة على اللامبالاة أو الإحباط، في ظل هيمنة القوى التقليدية وانعدام البدائل. أما في 2025، فالعزوف بات أكثر تعبيرًا عن رفض واعٍ لمشروعية اللعبة السياسية بحد ذاتها. جزء من هذا العزوف يعود إلى غياب أي إصلاح إداري أو قانوني في النظام البلدي، حيث لا تزال القوانين المعتمدة تشوبها الكثير من العورات الغير اصلاحية وغير محفزة للمشاركة، ولا توفر اليات فعّالة للمساءلة والمحاسبة. كما أن الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها البلديات والقطاع العام بشكل عام، تجعل من المجالس البلدية مؤسسات عاجزة عن تنفيذ أي مشاريع إنمائية، مما يزيد من شعور المواطن بأن صوته لن يغيّر شيئًا في واقعه اليومي. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الثقة في الطبقة السياسية، وتكرار الوعود الانتخابية دون تنفيذ، وتعاظم الفساد والمحسوبيات، كلها عوامل ساهمت في تعزيز القناعة بأن الانتخابات ليست سوى مسرحية لإعادة إنتاج نفس الوجوه والسياسات. أمام كلّ هذه التحديات، لم يعد العزوف محايدًا، بل أصبح فعلًا سياسيًا، نوعًا من المقاطعة الصامتة، لكنه للأسف بلا أثر تنظيمي أو بديل تعبوي.

أما وقد انتهت الانتخابات البلدية وبدأ العمل على خوض الانتخابات النيابية، وأمام تحدي تفعيل دور المقاطعة الصامتة أو استثمارها في التغيير المنشود، ومع تقديرنا لصعوبة تقديم وصفة سحرية، فلن تكوم الانتخابات النيابية في العام 2026 منفصلة عن هذا المشهد، بل استمرار له ما لم تُعدّ القوى المدنية والتغييرية تنظيم صفوفها، وتبني خطابًا سياسيًا واقعيًا جامعًا. إذ أنّ تمدّد النظام التقليدي لا يحصل إلا في الفراغ - فراغ البدائل!

أمام هذا الواقع، لا بدّ ولا غنى عن الاستمرار في العمل على ثلاثة مسارات متوازية: الأول مسار المُساءلة والمحاسبة المدنية للبلديات والثاني مسار إطلاق عجلة الاصلاح التشريعي والثالث مسار اعادة الهيبة ومأسسة الحركة التغييرية الوطنية الجامعة. يمكن تفعيل المسار الأول عبر تطوير أطر مدنية مستقلة للمتابعة والرقابة ووضع آليات وأدوات تراقب الأداء البلدي وتنشر تقارير عن الفساد والمحسوبيات. على المدى القصير والمتوسط، يجب متابعة عمل البلديات ومراقبة تنفيذ المشاريع الإنمائية، والتدقيق بكيفية صرف أموال البلديات، ودعم مبادرات المجتمع المدني في مطالبتها بمحاسبة البلديات الفاسدة أو المقصّرة، مُعتمدةً على القوانين المعمول بها ومنها قانون "حق الوصول الى المعلومات". وتوازيا، لا بدّ من إطلاق نقاش وطني واسع حول قوانين الانتخابات الإصلاحية وفي مقدمتها قانون اللامركزية الإدارية وقنون الانتخابات النيابية وبلورة رؤى وتصورات اصلاحية تغييرية تُعزز من عدالة التمثيل في الندوة البرلمانية ومشروعية العملية الديمقراطية. ومعها إطلاق مسار لتنظيم القوى المدينة المعترضة يُساهم في استعادة الثقة بها وانتاج خطاب ومشرع سياسي واقعي وموحد كبديل...

ولعل هذه هي الفرصة الأخيرة لاستنهاض المقاطعة الصامتة لملء الفراغ والحدّ من تمدّد نظام المحاصصة السياسية الطائفي والزبائني.