استكمالا للأفكار التي طرحتها سابقاً في سياق الانتخابات البلدية لعام 2025 وضرورة تأجيلها لفسح المجال أمام إطلاق عجلة الاصلاحات في القوانين المتعلقة بالبلديات واللامركزية الادارية والانتخابات البلدية، وعلى ضوء النتائج وما تمخض عنها في مدينة طرابلس، أضع أمام القارئ تحليلا مقتضباً لما آلت إليه الأمور والخيارات المطروحة في محاولة للتأكيد على المساهمة الفعّالة، ولو من موقع المعارض لهذا الاستحقاق.
خروقات تنظيمية أثرت على الرأي العام
كما حذّرنا سابقاً، فقد اعترى الانتخابات البلدية في طرابلس خلل بنيوي في إدارة العملية الانتخابية نتيجة ضعف التنظيم بالاضافة إلى تراكمات أزمة الحوكمة المحلية. إذ تمّ رصد سلسلة من الخروقات والإخفاقات الجوهرية في إدارة العملية الانتخابية التي هزّت ثقة الناس مصداقية الانتخابات. وتجلّت هذ الاخفاقات بغياب المندوبين عن بعض الأقلام، تضارب في أداء اللجان، وسوء تنظيم محاضر الفرز، ومنع مراقبون وصحافيون من دخول أقلام الفرز - في خرق واضح للمعايير الانتخابية الدولية مما حمل الجمعية الوطنية لمراقبة الانتخابات (لادي) الى اصدار بيان غير مُعتاد لشدّة لهجته يدعو الى ضرورة اعادة الانتخابات، ولم تنتهي بتأخّر إعلان النتائج لأكثر من أربعة ايام، ما فتح الباب أمام موجة تشكيك واسعة في الشفافية والنزاهة وترك المجال مفتوحًا أمام تداول اتهامات بتدخلات حزبية وأمنية غير رسمية، يُشتبه أنها صبّت لصالح لائحتي "رؤية طرابلس" و"نسيج".
انعكس ذلك كله في ردة الفعل الشعبية التي اتسمت بخليط من السخرية المريرة والإحباط العميق. حيث ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي تعابير مثل "ما انتخبتوا، ما حدا يعطيكن شي!" و"النتائج معروفة قبل التصويت" جسّدت إحساسًا عامًا بانعدام الجدوى، وبأن المشاركة في التصويت لا تؤدي إلى تغيير فعلي، بل تساهم في شر عنة الطبقة السياسية نفسها. وكان لافتا أن هذه النبرة لم تترجم فقط كمجرد احتجاج شعبي بل أصبحت بمثابة استقالة جماعية من العملية السياسية، خصوصًا بعد أن تبيّن للناس، من خلال التجارب السابقة، أن نتائج الصناديق لا تعني تحسّنًا في الخدمات أو استجابة للأولويات اليومية. ولعل أهم ما يجدر الوقوف عليه في هذه النتخابات هو استمرار ظاهرة العزوف عن ممارسة الحق الديمقراطي بالانتخاب رغم كل التحولات التي مرت بها المدينة من ثورة تشرين 2019 (حيث انتفض أهل المدينة على سياسييها في عرس ديمقراطي طبع المدينة باعتبارها عروس الثورة) الى الانهيار المالي والاقتصادي. إذ لم تختلف نسبة الاقتراع عن الدورة السابقة، فلم تتجاوز 23.6%- أي بزيادة أقل من 1% عن نسبة الاقتراع لعام %22.8) 2016)، مما يطرح وبجديّة علامات استفهام كبرى (يجب الوقوف عليها ودراستها) حول نظرة المواطنين لجدّية هذه الانتخابات في ظلّ التحديات البنيوية للقوانين والتنظيمية للادارات والمالية، ويفتح المجال للتساؤل حول مشروعية المجلس المنتخب الذي لا يُمثل إلا أقلية مشاركة، على حساب أغلبية صامتة أو معترضة.
الانتخابات البلدية: استفتاء سياسي لا تنموي
أكدت الانتخابات البلدية لعام 2025 في لبنان عموماً، بما فيها مدينة طرابلس، أنّها استحقاقًا سياسيًا بامتياز خلافًا لما أشيع عن حياديتها وطابعها الإنمائي. فالمعركة لم تكن بين لوائح مشاريع إنمائية بلدية، بل بين مسارات نفوذ وولاءات تتقاطع فيها الحسابات الوطنية مع التجاذبات المحلية. حتى أنّ تصريحات كبار المسؤولين اللبنانيين والتي شددت على "لا سياسية" هذا الاستحقاق، سرعان ما بدّدتها صريحات العديد من السياسيين إبّان إعلان النتائج، التي أكدت على حقيقة ثابتة أنّ الانتخابات شكلت منصة لإعادة تموضع القوى السياسية التقليدية، وتجديد شبكات النفوذ، ولو بلباس خدماتي. فقد تمكنت تحالفات النظام السياسي التقليدي من إعادة بناء حضورها في طرابلس، كما في مدن الشمال الأخرى. ففوز لائحة "رؤية طرابلس" المدعومة من النائب فيصل كرامي وجمعية المشاريع الاسلامية (المعروفين بعلاقاتهم الوطيدة مع النظام السوري السابق) بنصف مقاعد المجلس البلدي وتعادلها مع لائحة "نسيج" المدعومة من النائب "الغير تغييري" إيهاب مطر، ليس سوى دليل ساطع على تسييس الانتخابات البلدية أعادت الزعامات التقليدية تكريس حضورها وسط تراجع قوى التغيير وغياب رؤية بلدية تنموية متماسكة (الى درجة الترويج تيار الكرامة بتحقيق تسونامي اخضر من خلال التنصارات لبلدية). ففي ظل غياب البديل المنظم وفشل القوى التغييرية في تقديم طرح بلدي متكامل، افرغت الانتخابات من مضمونها التنموي وتحولت من كونها معركة خدمات إلى استفتاء على مواقع النفوذ داخل مشهد مأزوم.
في ظل الخطاب المدني الذي حاولت بعض اللوائح (التي استأنست بصفة المجتمع المدني) تسويقه، بقيت البرامج التنموية غائبة، أو في أحسن الاحوال فضفاضة وغير قابلة للتحقق. فقد خلت معظم اللوائح من خطط استراتيجيات أو عملانية حقيقية للنهوض بالمدينة سواء في ما يخص التخطيط الحضري، تحسين الخدمات الحياتية للمواطن وغيرها. كما طرحت شعارات عامة مثل "الشفافية" و"التنمية المستدامة"، لكنها بقيت دون ترجمة تنظيمية أو فعلية تُقنع الناخبين بوجود رؤية حقيقية. وعليه، جاءت "نسيج" كتحالف وظيفي غير صدامي، لا يحمل هوية ثورية ولا تصورًا إصلاحيًا حقيقيًا، بل يحاكي إدارة العمل البلدية بمفاهيم الواقعية البراغماتية مُعتمدة على دعم ظاهره "مطري" وباطنه "ميقاتي". في المقابل، رسّخت التحالفات الانتخابية التي تشكّلت على اساسها لائحة "رؤية طرابلس" علاقات لزبائنية كأداة أساسية لتعبئة القواعد الناخبة، معتمدة بذلك على تكرار تجربة التحالفات العمودية التي تقوم على الولاءات التقليدية السياسية والعائلية،. فكانت النتيجة عملية انتخابية خالية من أي تنافس على السياسات التنموية، ما أفقد المجلس المنتخب أي قدرة على تقديم حلول ملموسة لأزمات المدينة المزمنة.
فشل محاولات التوافق: فخاوف من العودة إلى الشلل البلدي
أنتجت الانتخابات توازنًا عدديًا هشًا بين لائحة "رؤية طرابلس" (12 مقعدًا) و"نسيج" (11 مقعدًا)، إلى جانب مقعد ثالث مستقل. هذا التعادل دفع إلى محاولات لترجمة التمثيل العددي إلى تسوية داخل المجلس، عبر تقاسم المواقع مناصفة بين اللائحتين من خلال تفاهمات ظرفية تتعلق بتوزيع المواقع (الرئاسة، نيابة الرئاسة، رئاسة الاتحاد)، من دون توافق برامجي أو رؤية إنمائية. فغابت الرؤية الموحدة، وحضر منطق التسويات الشكلية التي لم تُبنى على قيم أو أولويات مشتركة.
وقد شكّل انتخاب رئيس المجلس البلدي ونائبه لحظة كاشفة عن عمق الانقسام داخل المجلس، حيث سقطت رهانات التوافق وتكرّس ميزان القوى لصالح اللائحة المدعومة من قوى السلطة التقليدية. ما مثّل صفعة لكل من راهن على "توحيد البيت الطرابلسي/ البلدي"، وأعاد تأكيد الفجوة بين منطق الاستئثار بالسلطة على حساب الشراكة الفعلية. فبدلاً من أن تتحوّل التعددية داخل المجلس إلى رافعة للتكامل والتوازن، برزت كمصدر لتعطيل متبادل ومناورة دائمة. منذ تلك الجلسة، ظهرت بوضوح ملامح مأزق داخلي يُنذر بمجلس عاجز عن أداء وظائفه الأساسية. فالتوازن العددي الحرج (12 مقابل 11) يضع جميع القرارات المفصلية، من الخطة الإنمائية إلى إقرار الموازنة، رهينة لميزان القوى اللحظي، ويفتح المجال أمام تحالفات ظرفية غير مستقرة، أو حتى أمام التعطيل الممنهج. ومع فشل الوساطات في بلورة صيغة توافقية، بدأ يتكرّر مشهد العجز الذي طبع أداء المجلس السابق، لكن في سياق أشد هشاشة، مع تفاقم الانهيار الإداري والمالي للبلدية واتساع الفجوة بين المدينة ومؤسساتها. كل ذلك ظهّر للعلن مواجهة مبطنة على مفاتيح الانتخابات النيابية المقبلو بين بعض القوى السياسية.
الخيارات المطروحة: الاستقالة أم الرقابة؟
أمام هذا المشهد المتعثر، تتراوح خيارات المواطنين بين مسارين: الأول يتمثل في الدعوة إلى استقالات جماعية لأعضاء لائحة "نسيج" وإعادة العملية الانتخابية من جديد؛ والثاني في تطوير أدوات رقابة ومساءلة مدنية متكاملة، تنشأ من داخل المجلس البلدي وتتكامل مع مبادرات مستقلة من خارجه.
ورغم وجاهة الخيار الأول من حيث الرمزية الأخلاقية والاحتجاج على مسار نقض التفاهمات، إلا أنه ينطوي على مخاطرة استراتيجية كبرى، أبرزها احتمال تمكين لائحة "رؤية طرابلس" من السيطرة الكاملة على المجلس، بدعم سياسي منظم وواضح. وتتضاعف هذه المخاطرة في حال عجزت القوى المدنية الأخرى، بما فيها "نسيج"، عن توحيد صفوفها أو ضمان مشاركة انتخابية كافية، خاصة إذا تكررت تجربة تشتت الاصوات كما حصل في الانتخابات النيابية الفرعية بين ديما جمالي ويحيى مولود. وهكذا، قد تتحول الاستقالة رغم وجاهتها الاخلاقية ومشروعيتها، إلى تفويض غير مباشر للائحة المُحاصصة القائمة، بدل ان تحدث اي اختراق في منظومة النفوذ.
في المقابل، يُعد الخيار الثاني، أي بناء منظومة رقابية مدنية متعددة المستويات، البديل الأكثر نجاعة وتأثيراً. إذ يُعزز الانتقال من المراقبة الظرفية إلى ممارسة دور رقابي مؤسسي متواصل، عبر خلق مسارات مساءلة تشاركية تنطلق من داخل البلدية، وتتعزز عبر لمجتمع المدني، الإعلام المحلي، والهيئات المستقلة. فالمساءلة ليست مجرد ردّة فعل على خلل أو خرق آني في العمل البلدي، بل ممارسة بنيوية تبدأ من لحظة إقرار الموازنة، وتستمر في تتبّع تنفيذ المشاريع، ورصد الإنفاق، وتقييم الأثر الاجتماعي للبرامج والمِنح والمشتريات. هذه الرقابة تشكّل حجر الأساس لتكريس مبدأ الشفافية في إدارة الشأن البلدي، وضمان خضوع القرارات للضوابط القانونية والمعايير المهنية كما وأنها من أهم رافعات الاصلاح المنشود.
أمام "نسيج"، باعتبارها الخصم في المجلس البلدي الحالي، اليوم مسؤولية أخلاقية ومدنية في إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والبلدية من خلال دعم وتسهيل مبادرات تبناها بعض الناشطين والمتخصصين في بناء إطار تشاركي مستقل، بعيداً عن البلدية ومؤسسة "عمران"، لرصد ومتابعة وتقييم العمل البلدي ومُساءلة مجلسه. وحده هذا الطرح يُمكّن "نسيج"، بالتمثيل العددي والتفويض الشعبي الذي اكتسبته، من لعب دور أهم من "الرئاسة" وتقديم نهج وممارسة مغايرة في العمل البلدي تُضفي عليه بعضاً من الشفافية. كما يمكّنها من التأسيس للسلسة إصلاحات داخلية ويضع البلدية ومجلسها تحت مجهر المُساءلة والرصد الشعبي (مُتسلحةً بالقوانين والأنظمة المعمول بها ومنها قانون الحق بالوصول الى المعلومات) يُرمم العلاقة بين البلدية والمواطن...
فهل تنجح "نسيج" في هذا الاختبار والخيار؟